محمد متولي الشعراوي

1461

تفسير الشعراوى

والوسيلة الأولى وهي مشاهدة النبأ يشترط أن يوجد في زمن هذا النبأ ، والنبأ الذي أخبر اللّه به رسوله حدث من قبل بعث الرسول بمالا يقل عن ستة قرون . إذن فالمشاهدة كوسيلة علم بهذا النبأ لا تصلح ؛ لأن النبأ قد حدث في الماضي . قد يقول قائل : لعل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد قرأها ، أو سمعها وبإقرار خصوم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنه ليس بقارئ ، فامتنعت هذه الوسيلة أيضا ، وبإقرار خصومة صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لم يجلس إلى معلم فلم يستمع من معلم . إذن فلم يكن من سبيل لمعرفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا النبأ إلا بالوحي ، لذلك قال الحق سبحانه : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) ( سورة آل عمران ) وقلنا قديما إن الوحي ، هو إعلام بخفاء ؛ لأن الإعلام العادي هو أن يقول إنسان لإنسان خبرا ما ، أو يقرأ الإنسان الخبر ، أما الإعلام بخفاء فاسمه « وحى » . والوحي يقتضى « موحى » وهو اللّه ، « وموحى إليه » وهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، و « موحى به » وهو القرآن الكريم . وإذا نظرنا إلى الإعلام بخفاء لوجدنا له وسائل كثيرة . إن اللّه يوحى . لكن الموحى إليه يختلف . اللّه سبحانه وتعالى يوحى للأرض : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ( 1 ) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ( 2 ) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ( 3 ) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ( 4 ) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها ( 5 ) ( سورة الزلزلة ) إنه إعلام بخفاء ، لأن أحدا منا لم يسمع اللّه وهو يوحى للأرض ، والحق سبحانه يوحى للنحل ، ويوحى للملائكة ، ويوحى للأنبياء ، وهناك وحى من غير اللّه ، كوحى الشياطين .